محمد بن جرير الطبري

300

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وأما " سفك الدم " ، فإنه صبه وإراقته . * * * فإن قال قائل : وما معنى قوله : ( لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) ؟ وقال : أو كان القوم يقتلون أنفسهم ويخرجونها من ديارها ، فنهوا عن ذلك ؟ قيل : ليس الأمر في ذلك على ما ظننت ، ولكنهم نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضا . فكان في قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه ، إذ كانت ملتهما [ واحدة ، فهما ] بمنزلة رجل واحد . كما قال عليه السلام : ( 1 ) 1463 - " إنما المؤمنون في تراحُمهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد ، إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " . ( 2 ) * * * وقد يجوز أن يكون معنى قوله : ( لا تسفكون دماءكم ) ، أي : لا يقتل الرجل منكم الرجل منكم ، فيقاد به قصاصا ، فيكون بذلك قاتلا نفسه ، لأنه كان الذي سبب لنفسه ما استحقت به القتل . فأضيف بذلك إليه ، قتل ولي المقتول إياه قصاصا بوليه . كما يقال للرجل يركب فعلا من الأفعال يستحق به العقوبة ، فيعاقب العقوبة : " أنت جنيت هذا على نفسك " . * * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : 1464 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) ، أي : لا يقتل بعضكم بعضا ، ( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) ، ونفسُك يا ابن آدم أهل ملتك .

--> ( 1 ) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وإلا فسد الكلام . ( 2 ) الحديث : 1463 - هكذا رواه الطبري معلقا . والظاهر أنه رواه بالمعنى أيضًا . ولفظه في صحيح مسلم 2 : 284 ، من حديث النعمان بن بشير : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " . وكذلك رواه أحمد في المسند ( 4 : 270 حلبي ) . ورواه البخاري بنحو معناه 10 : 367 ( من الفتح ) .